الشيخ محمد هادي معرفة

392

تلخيص التمهيد

النسخ المشروط « 1 » هناك من أنواع النسخ ما نصطلح عليه بالنسخ المؤقّت أو النسخ المشروط . وهو ما إذا كان الحكم المنسوخ رهن ظروف وأحوال تغيّرت إلى حالة أُخرى استدعت تشريع حكم جديد ، لكنّها مع ذلك صالحة للعود على حالتها الأُولى ، إمّا في رقعة أُخرى من الأرض أو في فترة آتية من الزمان ، فإنّ من الحكمة أن يعود الحكم المنسوخ إلى ساحة الوجود . فكلّ من الناسخ والمنسوخ ، هو رهن حالة تخصّه ، وقيد مصلحة تلتئم معه . فمادامت فالحكم يدوم معها ، ولو زالت فالحكم يزول معها ، وإذا مارجعت فإنّ الحكم يرجع معها . . . وهكذا . . مثاله : الصدقات الواجبة في سبيل اللَّه : كان على المسلمين أن يقوموا بتجهيز بِنية الدولة الماليّة مهما كلّف الأمر ، وهو الوارد في القرآن كثيراً باسم الإنفاق في سبيل اللَّه . كان ذلك واجباً حتماً ما دامت الحاجة باقية . ثمّ لمّا فرضت الزكاة وأخماس الغنائم والخراج ونحو ذلك ، وزالت حاجة الدولة إلى مؤونة غيرها ، زال ذلك التكليف . لكن إذا مادهمت الأُمّة حادثة أو كارثة تحتاج إلى مؤونة زائدة ، أو عرض مايستدعي صرف مال أكثر ، فإنّ المصلحة تقتضي فرض ضرائب متناسبة مع حاجة الدولة ، ويكون على عهدة المسلمين القيام بوظيفتها . وعليه فمثل هذه الأحكام لاتعدّ منسوخة بقول مطلق ، بل هي باقية مستمرّة ، لكن قيد شروط وأحوال ، متى تحقّقت تنجّزت أحكامها ، كسائر الأحكام المترتّبة على مواضيعها ، على نحو القضايا الحقيقيّة ، حسب مصطلحهم . وهكذا مسألة الصفح والمداراة مع الكفّار ، كانت فريضة واجبة في صدرالإسلام يوم كان المسلمون في حالة ضعف . فإذا ماعاد الإسلام غريباً - لاسمح اللَّه - كمابدئ غريباً ، فإنّ ذلك الحكم يعود لا محالة . فليكن على ذكرٍ من أرباب الفنّ ! واللَّه العالم .

--> ( 1 ) تنبّهنا عليه خلال التدريس على الطلبة في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة .